Admin Login

أهلا بكم في مؤسسة زايد الخيرية
 
 
 
المقدمــة

المقدمــة

 

تميز المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بنهج يقوم على إشاعة روح التسامح والتكافل والتراحم والترابط بين أبناء الوطن. كما اتّسم هذا النهج ببعد في النظر ورؤية سديدة لأبعاد الماضي ومقومات الحاضر، ونظرة ثاقبة في استقراء المستقبل، وحنكة سياسية صقلتها الخبرة والأصالة.

 

وقد أكسبت هذه الصفات الشيخ زايد تقديراً إقليميا ودولياً، ووضعته بين واحد من زعماء العالم الذين يتصفون بالحكمة والحنكة السياسية واتخاذ المواقف الشجاعة الصادقة والواضحة، والوقوف إلى جانب الحق والعدل، والدعوة إلى التسامح والتآزر، والإسهام البارز في قضايا التنمية والبيئة، والعطاء السخي في ميادين العمل الخيري والإنساني.

 

واختارت اللجنة التنفيذية لاتحاد المحامين الأفرو- آسيوي للدفاع عن حقوق الإنسان بالإجماع يوم 31 أغسطس 1999، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رجل العام عن قارة آسيا تقديراً لما قدمه سموه من خدمات جليلة لوطنه ولأمته العربية، وقارته الآسيوية في مناهضة التعدّي على الحريات والدفاع عن حقوق الإنسان بالدرجة التي يُشار إليها بالبنان.

 

واختارت منظمة المدن العربية في دورتها السادسة يوم 28 مارس 1998م، الشيخ زايد لنيل جائزة " داعية البيئة " تقديراً لجهود سموه المتميزة في حماية البيئة والتشجير وإقامة المحميات الطبيعية.

 

وتسلم سموه من صاحب السمو الأمير فيليب، دوق أدنبره، شهادة "الباندا الذهبية" التي يمنحها الصندوق العالمي للحفاظ على الطبيعة لأول مرة لرئيس دولة تقديراً للجهود الكبيرة التي بذلها، والمعترف بها عالمياً في مجال الحفاظ على البيئة وحماية الحياة البرية في دولة الإمارات وفي مناطق أخرى من العالم.

 

وتلقى سموه كذلك ميدالية ذهبية وجائزة تقديرية يوم 11 ديسمبر 1995م من منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) تقديراً لجهود سموه في نشر التنمية الزراعية بدولة الإمارات ومساهمته في عدد من الدول النامية.

 

واختار مهرجان الشباب العربي الثامن الذي عقد في بيروت الشيخ زايد "رجل البيئة والإنماء الدائم للعام 1993" تقديراً للإنجازات التي حققتها دولة الإمارات للحفاظ على البيئة.

 

وتسلم الشيخ زايد يوم 2 ديسمبر 1992م من الأمين العام لجامعة الدول العربية وشاح رجل الإنماء والتنمية للعام 1992 من الجامعة العربية

                   

زايد حاكماً للمنطقة الشرقية

 

وقد برزت الشخصية القيادية للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بوضوح منذ بداية الأربعينات عندما انتقل من أبوظبي إلى العين، حيث أمضى فيها السنوات الأولى من شبابه وترعرع بين صحرائها وتلالها وجبالها، واستمد الكثير من صفائها ورحابتها، وأظهر شغفاً مبكراً بالمكونات البيئية التي يتصف بها البدوي، مثل الصيد بالصقور، وركوب الخيل، والهجن، وإتقان الرماية، حتى اشتهر بفروسيته وإقدامه وهو لايزال صبياً. وعندما اكتمل شبابه ودخل معترك الحياة كان قد أتقن الصّول والجول وفنون القتال، وبدأت ثقافته في تلك المرحلة تكتسب أبعاداً جديدة ومهمة حين ولع بالأدب والشعر وأظهر اهتماماً كبيراً بمتابعة ومعرفة تاريخ العرب وحضارتهم. وكان من أمتع أوقاته الجلوس مع كبار السن ليستمع إلى مايتبادلونه من قصص وروايات عن سيَر الأجداد والآباء ومواقفهم وبطولاتهم، حيث تشكلت في هذه الفترة خصائص زعامته وفلسفته في الحياة.

 

وعندما عُيّن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله حاكماً للمنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي، أظهر قدرات كبيرة في إدارة شؤون العين والمناطق التابعة لها، وكرّس طاقاته لخدمة المواطنين، وتقدّم صفوفهم في العمل رغم شُحّ الإمكانيات آنذاك لاستغلال الموارد الطبيعية القليلة التي كانت متاحة، بشقّ الأفلاج، وحفر الآبار لتوفير المياه اللازمة للتنمية الزراعية، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

 

واكتسب سموه منذ ذلك الوقت حب مواطنيه وثقتهم فيه حتى أنهم كانوا يقولون "زايد بدوي مثلنا".

ويصف النقيب البريطاني أنطوني شيرد في كتابه (مغامرة في الجزيرة العربية) انطباعاته عن زايد في تلك الحقبة بقوله "كان رجلاً يحظى بإعجاب وولاء البدو الذين يعيشون في الصحراء المحيطة بواحة البريمي، وكان بلا شك أقوى شخصية في الدول المتصالحة ... وكنت أذهب لزيارته أسبوعياً في حصنه .. وإذا دخلت عليه باحترام خرجت باحترام أكبر .. لقد كان واحداً من العظماء القلة الذين التقيتهم .. وإذا لم نكن نتفق دوماً فالسبب هو جهلي".

 

ويعكس العقيد بوستيد الممثل السياسي البريطاني صورة الحياة الاجتماعية التي كان يعيش فيها المواطنون في المنطقة الشرقية والتفافهم حول زايد، ويقول " لقد دُهشت دائماً من الجموع التي تحتشد دوماً حوله في واحة البريمي وتحيطه باحترام واهتمام .. كان لطيف الكلام دائماً مع الجميع، وكان سخياً جداً بماله .. ودُهشت على الفور من كل ما عمله في بلدته العين، وفي المنطقة لمنفعة الشعب...، فقد شق التُرع لزيادة المياه لريّ البساتين وحفر الآبار، وعمّر المباني الأسمنتية في الأفلاج لكي يستحم فيها الناس ... إن كل من يزور واحة البريمي يلاحظ سعادة أهل المنطقة ".

 

وفي الواقع لم تكن أحلام زايد وطموحاته تتوقف عند ماأحدَثه من تحولات إصلاحية محدودة في مدينة العين تمثلت في استغلال الموارد الطبيعية الشحيحة التي كانت متاحة بشق الأفلاج وحفر الآبار لتوفير المياه اللازمة للتنمية الزراعية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وإنشاء أول مستشفى في مدينة العين في مطلع الخمسينات ... بل كانت نظرته الثاقبة للأمور تمتد إلى أبعد من العين بكثير ... كان يتأمل الأحوال التي كان عليها وطنه الكبير والظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون ... وكان يتطلع بثقة إلى تبديل حال الوطن وتحسين أحوال المواطنين.

 

وقد عبّر عن طموحاته لتحقيق هذه الأهداف في وقت مبكر منذ مطلع الخمسينات بقوله .. "كانت أحلامي كثيرة ... كنت أحلم بأرضنا تواكب حضارة العالم الحديث ولكنني لم أستطع أن افعل شيئاً. ولم يكن بين يدي ما يحقق الأحلام، ولكنني كنت واثقاً من أن الأحلام سوف تتحقق في يوم من الأيام".

 

ومن ثم بدأ يستكشف الطريق إلى تحقيق طموحات الوطن والمواطن مع رحلته الأولى إلى خارج البلاد في العام 1953 التي حملته إلى بريطانيا والتي أعقبها بزيارات إلى الولايات المتحدة الأمريكية والعراق ومصر وسوريا ولبنان وإيران وسويسرا وفرنسا وغيرها من الدول، حيث زادت مشاهداته في هذه الدول من قناعاته بمدى حاجة البلاد إلى التنمية والتطور وحاجة المواطنين إلى اللحاق بركب الحضارة والتقدم.

 

 

زايد حاكماً لإمارة أبوظبي

ولم تمض أعوام قلائل حتى بدأت أحداث التحولات التاريخية تتلاحق لترسم صورة المستقبل المشرق للبلاد، بتولي الشيخ زايد سلطان آل نهيان رحمه الله مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس من العام 1966م.

 

وكانت مدينة أبوظبي عندما تولى زايد مقاليد الحكم فيها، كما هو الحال بالنسبة لمختلف مناطق إمارة أبوظبي، جزيرة رملية صحراوية قاحلة تحيط بها مياه الخليج من كل الجوانب، لايوجد بها سوى مجموعة من البيوت المتناثرة التي تفتقر إلى أبسط الخدمات من طرق أو مياه أو كهرباء أو مدارس أو مستشفيات، وغيرها من الخدمات الضرورية لحياة الإنسان.

 

وكانت احتياجات الناس من البضائع والسلع الغذائية تأتي إلى أبوظبي بواسطة (الدوابي) وهي سفن صغيرة تقوم بنقل هذه السلع من السفن الكبيرة التي كانت ترسو في عرض البحر قبالة كورنيش أبوظبي الحالي، نظراً لعدم وجود أي موانئ أو حتى أي نوع من خدمات البنية الأساسية.

 

وجاءت بدايات الانطلاقة العملاقة للتحول بأن سخّر الشيخ زايد رحمه الله عائدات الثروة النفطية لانتشال إمارة أبوظبي من حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي التي كانت عليها.

 

وقد أكد سموه في هذا الخصوص "لقد كنت أفكر دائماً في خدمة أبناء وطني وفي إسعادهم قبل أن تكون لديّ السلطة وقبل أن تتوفر لدي الإمكانيات التي أنعم بها الله علينا ... مع ظهور البترول، ولابد أن ينعم شعبنا بما أعطاه الله من خير وفير لأنه لافائدة في المال بدون الرجال".

 

وتدفقت استثمارات الثروة النفطية وعائداتها بسخاء للإنفاق في إقامة مشاريع التطوير والخدمات ... وبدأ العمل في تنفيذ برامج طموحة ومتسارعة للتنمية الشاملة التي استهدفت بالتبديل والتحديث مختلف أوجه الحياة واللحاق بركب الحضارة والتقدم . فلا فائدة للمال ، كما يقول زايد " إذا لم يُسخَّر في خدمة الشعب ".

 

وحققت إمارة أبوظبي خلال سنوات قلائل منجزات عملاقة، وشهدت تحولات جذرية في زمن قياسي، حيث تم في إطار خطط متسارعة للتنمية الشاملة تنفيذ المئات من مشاريع التحديث والتطوير والخدمات. وأقيمت العشرات من المناطق والأحياء السكنية الجديدة لتوفير السكن الصحي الملائم للمواطنين، وامتدت مئات الأميال من الطرق المعبّدة تشق رمال الصحراء لربط مناطق الإمارة ببعضها البعض.

 

ودخلت المياه النقية والكهرباء كل موقع وكل بيت، وانتشرت المدارس المجهزة بكل ما يلزم من معدات وتجهيزات لبناء الأجيال، وافتتحت جامعة الإمارات التي أعقبها توسع مطرد في إقامة العديد من مؤسسات التعليم العالي في البلاد وفي مقدمتها جامعة زايد وكليات التقنية العليا.

 

وأقيمت المستشفيات والعيادات الطبية في المدن والقرى، وتم استحداث العشرات من المدن العصرية الحديثة في قلب الصحراء بأماكن تجمع البدو الرحلّ لتأمين استقرارهم وتمسكهم بالأراضي التي ولدوا فيها. كما تم تعمير الجزر النائية وتحويلها إلي مدن سكنية عصرية ومنتجعات سياحية عالمية، وانتشرت مظلة العدالة لتلّبي كل طموحات المواطنين في الرخاء والرفاهية والأمن والاستقرار.

 

         

زايد وبناء الاتحاد

كان زايد رحمه الله يتطلع منذ أن تولّى مقاليد الحكم في أبوظبي إلي جمع شمل الإمارات المتصالحة، انطلاقاً من توجهه الوحدوي المتأصل في فكره وفلسفته منذ أن كان حاكماً على المنطقة الشرقية في العام 1946.

 

وهكذا بادر سموه بعد أقل من عامين من تولّيه الحكم في أبوظبي بالدعوة إلى الاتحاد مؤكداً لإخوانه حكام الإمارات " أن الاتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك .. وأن الفرقة لاينتج عنها إلا الضعف ... وأن الكيانات الهزيلة لامكان لها في عالم اليوم ... فتلك عِبَر التاريخ على مرّ العصور".

 

وانطلقت الجهود الحثيثة المخلصة لبناء اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة عندما قام الشيخ زيد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بزيارة أخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي في 18 فبراير من العام 1968، وبحثا إقامة اتحاد بين الإمارتين يقوم بالإشراف على الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الداخلي والخدمات الصحية والتعليمية ..واتفقا أيضاً على دعوة أصحاب السمو حكام الإمارات العربية للاجتماع في دبي لمناقشة قيام اتحاد الإمارات العربية التسع الذي كان مقترحاً أن يتشكل من إمارات أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين والفجيرة بالإضافة إلى قطر والبحرين .

 

وقد أكد الشيخ زايد وقتها أهمية قيام هذا الإتحاد بقوله " إن قيام الإتحاد ضرورة قومية، فهو يؤمّن الاستقرار والأمن، ثم إنه سيكون عوناً وسنداً لأشقائنا العرب وأصدقائنا في العالم".

 

ثم تواصلت بعدها الاجتماعات واللقاءات والمشاورات في كل من أبوظبي ودبي ورأس الخيمة طوال الأعوام الممتدة من بدايات العام 1968 وحتى مطلع السبعينات، حيث أكد الشيخ زايد قبل أشهر قليلة من قيام الإتحاد " أن روح الجماعة والتعاون الصادق هما أساس نجاح الجهود الإتحادية .. وأن الجميع يؤمنون بالهدف الواحد وستنتصر رابطة الأخوة على أية مشكلة".

 

وتترجم هذه العزيمة الإتحادية لسموّه إيمانه الراسخ بقيام الإتحاد رغم الصعوبات الهائلة التي اعترضت سبيل وضع اللبنات الأولى، حيث أكد سموّه "أن الاتحاد أمنيتي وأسمى أهدافي لشعب الإمارات".

 

وفي الثاني من ديسمبر 1971 عقد حكام الإمارات الست اجتماعا تاريخياً وأصدروا البيان التاريخي التالي ... "في هذا اليوم 2 ديسمبر / كانون الأول 1971، عقد حكام أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة، الموقعون على الدستور المؤقت للإمارات العربية المتحدة اجتماعاً لهم في جو سادته مشاعر الأخوة والثقة والحرص العميق على تحقيق إرادة شعب الإمارات وأصدروا إعلان سريان مفعول أحكام الدستور المذكور اعتباراً من هذا اليوم".

 

ثم تابع الحكام اجتماعهم كمجلس أعلى للاتحاد. وتم في هذا الاجتماع انتخاب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم امارة أبوظبي رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة لمدة خمس سنوات، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم إمارة دبي نائباً للرئيس للمدة نفسها.

 

ويزف المجلس الأعلى هذه البشرى السعيدة إلى شعب الإمارات العربية المتحدة وكل الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة والعالم أجمع، معلنا قيام "دولة الإمارات العربية المتحدة، دولة مستقلة ذات سيادة وجزءاً من الوطن العربي الكبير، تستهدف الحفاظ على استقلالها وسيادتها وأمنها واستقرارها ودفع كل عدوان على كيانها أو كيان الإمارات الأعضاء فيها وحماية حقوق وحريات شعبها وتحقيق التعاون الوثيق فيها بين إماراتها لصالحها المشترك، من أجل هذه الأغراض ومن أجل ازدهارها وتقدمها في كل المجالات ومن أجل توفير الحياة الأفضل لجميع المواطنين، ونصرة القضايا والمصالح العربية وميثاق الأمم المتحدة والأخلاق الدولية".

 

وهكذا شهد التاريخ في ذلك اليوم ميلاد دولة حديثة أصبحت يوم إعلانها الدولة الثامنة عشرة في جامعة الدول العربية والعضو الثاني والثلاثين بعد المائة في الأمم المتحدة.

 

وقد أعرب سموه حينها عن سعادته البالغة بالنهضة والتقدم الذي تحقق في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الماضية، وقال "إن ما أنجز يفوق كل تصور ... وذلك بعون من الله وتوفيقه أولاً، وبتّوفر الإرادة المخلصة، مؤكداً ... "أنه ليس هناك مستحيل أمام العزم الأكيد وإخلاص النوايا لخدمة الشعب".

 

وتحدث الشيخ زايد عند استقباله يوم 27 أكتوبر 1998 أصحاب المعالي وزراء العمل والشئون الاجتماعية بدول مجلس التعاون عن التقدم الذي حققته دولة الإمارات خلال مسيرتها نحو العبور إلى المستقبل. وقال سموه "إن ما تحقق تم أولاً بفضل الله تعالى وبعونه وتوفيقه، وبتوفير الإرادة والعزيمة ثانياً ... رغم كل الصعوبات والمشاكل الكثيرة التي واجهت هذه المسيرة وتم تجاوزها ولله الحمد .. لقد مرّ علينا في الماضي وقت لم نجد فيه مُعلّماً يزود أبناءنا بالعلم وبضرورات الحياة .. والحمد لله، اليوم تسلّح الشباب بالعلم والمعرفة وتحمل المسؤولية في كل المجالات ... لقد صبرنا رغم العقبات، ولكن اليوم أنجزنا للشعب كل ما تطلّع إليه من آمال وطموحات".

 

كما أكد سموه في حديث آخر "إن كل ما سهرت عليه مع إخواني حكام الإمارات بحرص وصبر قد تحقق. ولقد وصلنا بعون الله وتوفيقه، مرحلة رسّخنا فيها أقدامنا على طريق بناء الوطن وحققنا أهدافاً كانت تبدو بعيدة المنال، وهي لم تتحقق بسهولة، بل تحدينا من أجلها الصعاب".

 

وعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة والشاملة التي تحققت على أرض الوطن، إلا أن سموه كان يطمح في المزيد من الخير للوطن والمواطنين، وقد أكد في لقاء مع رئيس وأعضاء المجلس الوطني الإتحادي يوم 4 يناير 1998، بأن الدولة ستواصل السير بكل جدّ وإخلاص لاستكمال ما تصبو إليه من أهداف لصالح الوطن والشعب. وقال .. "إن ماتحقق يستحق الشكر والحمد لله على هذه النعمة.. ومازالت أمامنا خطوات يجب أن نقطعها بجدية وإخلاص.. والله يعلم أنني وإخواني مستمرون على هذا الطريق والنهج نفسه لتحقيق المزيد من الإنجازات وتوطيد أركان الدولة، لأنها السبيل إلى الرقي وتعزيز مكانتنا بين دول العالم، كما أضاف سموّه قائلا .. "نحن اليوم أكثر عزماً وتصميماً ونشعر بالفخر والاعتزاز، لأن ماوضعناه من ركائز وبذور طيبة قد أنتج بناءً قوياً .. وأن شعب الإمارات يستحق كل الخير".

 

                                                                                              

نهج الشورى والقدوة

تعود الإنجازات التي حققتها المسيرة الإتحادية إلى تضافر جهود مؤسسات الحُكم وتناغمها وتلاحم القيادة والشعب، والنهج المتفرّد لسموه رحمه الله في الممارسة الديمقراطية وتطبيق مبادئ الشورى، واستنهاض الهمم واستنفار الروح الوطنية، للمشاركة في العمل الوطني، وفق رؤية شاملة لمسؤوليات الحكم حددها سموه بقوله .."إن الحاكم أي حاكم، ماوُجد إلا ليخدم شعبه ويوفر له سبل الرفاهية والتقدم .. ومن أجل هذا الهدف يجب عليه أن يعيش بين شعبه ليتحسس رغباته ويعرف مشاكله، ولن يتحقق له ذلك إذا عزل نفسه عنهم".

 

وقد أسهم نهج الشورى لسموه والذي يعتمد على سياسة الأبواب المفتوحـة، وحرصه على اللقاء المباشر مع المواطنين في مواقعهم في المدن والبوادي، في ترسيخ ركائز الإتحاد وتدعيم بنيانه، وكذلك تمتين روابط الحب المتبادل بين القيادة والشعب حيث كان يحرص خلال هذه الجولات لأرجاء الوطن على تفقد أحوال المواطنين وتلمس احتياجاتهم والاطمئنان على توفير الحياة الكريمة لهم، انطلاقاً من إيمانه الراسخ .. "إن حكم الشورى من عند الله، ومن لم يُطع الله فهو خاسر"، وقناعته .. "إن خير هذه الأرض يجب أن يشمل الجميع".

 

وتفتح الجولات السنوية المنتظمة التي كان سموه يحرص على القيام بها، أبواباً واسعة للالتقاء بأبنائه المواطنين ومناقشة قضاياهم وأمور حياتهم والتعرف بصورة مباشرة على مطالبهم، انطلاقاً من إيمان سموه .. "أن الحاكم يجب أن يلتقي بأبناء شعبه باستمرار .. ويجب أن لاتكون بينه وبينهم حواجز مهما كانت الظروف".

 

وانطلاقاً من هذه التوجهات التي تجسد العدالة الاجتماعية الكاملة، أمر رحمه الله في 5 ابريل 1998 بتوفير المساكن والمزارع للمواطنين في مختلف أنحاء الدولة. وقال في لقاء مع رئيس وأعضاء المجلس الوطني الإتحادي .. "إنه يريد أن يحصل المواطنون الذين ليس لديهم دخل سواء في أبوظبي أو العين أو الإمارات الأخرى، على مساكن ومزارع" مؤكداً.."أنه يريد الخير لشعب الإمارات".

 

واقترنت توجيهات سموه ونظرته العادلة لمسؤوليات الحكم بالفعل الناجز حين وافق على برنامج زايد للإسكان، الذى يقضي بتخصيص 640 مليون درهم سنوياً لبناء مساكن للمواطنين في جميع أنحاء الدولة بهدف توفير الحياة الكريمة لهم، وتحسين مستوى معيشتهم، وتأمين الاستقرار الاجتماعي لهم.

وأصدر رحمه الله مرسوماً اتحادياً يوم 4 يناير 1999 بتشكيل مجلس إدارة المصرف العقاري، وهو

المجلس الذي يبت في طلبات القروض العقارية للمواطنين التي يتضمنها قانون الإسكان.

وحرص سموه، في إطار ممارسته لمفهوم الحكم والسلطة وأحكام مبادئ الشورى، على إتاحة الفرص الواسعة أمام المواطنين للمشاركة في مسؤوليات العمل الوطني، وكان يقول إن الحاكم العادل المطمئن الواثق لايخاف شعبه، وإنما يوكِّل إليه بعض مسؤولياته.

وأكد سموه عند استقباله أعضاء المجلس الوطني الاتحادي يوم 5 يوليو 1999 .. "إن قرار إنشاء المجلس الوطني الاتحادي الذي ترافق مع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة لم يأت عبثاً وإنما كان الهدف منه هو الاستعانة به ليلمس احتياجات المواطنين واعتدال حياتهم وعدم الغفلة عما ينقصهم في معيشتهم في تأمين الحياة الكريمة لهم".

 

وتأكيداً على السير على هذا النهج في العمل الوطني الذي حرص عليه طوال حياته، وجه مجلس الوزراء يوم 11 مايو 1998 ببذل المزيد من الجهد والمتابعة من أجل راحة المواطنين ورعاية مصالحهم، والعمل على مايحقق استقرارهم وسعادتهم ورفاهيتهم، ودعا أعضاء المجلس إلى متابعة سير العمل في وزاراتهم بشكل مباشر وزيارة مختلف مواقع العمل فيها للتأكد من جدية إنجاز الأعمال التي يضطلعون بتنفيذها، وعدم الاعتماد على التقارير المكتوبة أو الشفوية في تصريف مهام مسؤولياتهم، وضرورة الإلمام المباشر من خلال الزيارات الدورية لمواقع العمل.

كما أكد الشيخ زايد في حديث خلال اجتماع للمجلس الأعلى للإتحاد يوم 20 مايو 1996 .. "إن من أهم الواجبات علينا كحكام أن نعمل جميعاً يداً واحدة للارتقاء بالمستوى المعيشي للشعب ... وإنني أول من تقع عليه مسؤولية رعاية الوطن والمواطن ... وأداء الواجب فرضه الله علينا .. وإن المتابعة هي مسؤولية الجميع، الكبير والصغير، لكي نقوم بكل ما نستطيع على الوجه الأكمل. وربما تغيب عن الإنسان أمور كثيرة ولاأعلم بها كمسؤول أول في هذه الدولة".

وأضاف موجهاً حديثه إلى إخوانه الحكام "من الواجب عليكم أن تخبروني إن كان هناك أي تقصير .. وأنتم عون لي على أداء واجبي .. ولن ألوم أحداً غيركم بوصفكم حكاماً، وشركاء لي في المسؤولية ... وسوف أتقبل كل شيء برحابة صدر وسعة بال".

 

بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك في تأكيد حرصه على تحقيق العدل والمساواة بين رعيته، مُحدداً مسؤولية الحاكم بقوله .."إن الحاكم هو وصيّ على شعبه، وعليه أن يقوم بواجباته ومسؤوليته، ويسخر كل الثروة التي وهبها الله لهذا الشعب من أجل رفاهيته وسعادته وأمنه واستقراره" .. وأكد سموّه عند تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الجدد في الأول من شهر يوليو 1998 .. "على ضرورة العمل بحيث يسود العدل والمساواة في المجتمع، ولايُسمح بأن تستحوذ الأسر الحاكمة بالثروة ومقدرات الشعوب، ويجب أن تتساوى الأسر الحاكمة، ولها احترامها الخاص في الواجبات والحقوق والمسؤوليات مع جميع أفراد الشعب ... ويجب أن تكون متساوية مع الجميع وغير مُمّيزة في الحقوق والواجبات والمسؤوليات"، وأضاف مؤكداً .. "إن القائد يجب أن يؤمن بأنه الأمين على الشعب وعلى ثروته وأن يطبق على نفسه مايطبقه على شعبه".

 

بناء الإنسان ورعاية الشباب

أعطى الشيخ زايد رحمه الله قضايا تنمية الموارد البشرية وبناء الإنسان الأولوية القصوى من اهتمامه وجهده من منطلق أن الإنسان هو محور كل تقدم حقيقي، وأن الإنسان المتعلم هو الدعامة الأساسية التي تعتمد عليها دولة الاتحاد، حيث أكد في 25 يونيو 1995.. "إن التقدم والنهضة لاتقاسان ببنايات من الإسمنت والحديد، وإنما ببناء الإنسان وكل مايسعد المواطن ويوفر له الحياة الكريمة"، موضحاً.. "ومن هنا كان لابد من بناء الإنسان الذي لم نبخل عليه بالجهد والمال من منطلق أن الإنسان المتعلم والمعطاء هو الدعامة الأساسية التي تعتمد عليها دولة الاتحاد في مسيرتها".

 

وقد عملت الدولة على توفير المدارس والمعاهد والمؤسسات الثقافية والمهنية ومؤسسات التعليم العالي والمؤسسات العسكرية الأكاديمية والفنية لتحقيق هذه الغاية النبيلة.

 

كما عملت على الارتقاء بالخدمات الصحية والاجتماعية والإسكانية وبناء وتطوير البنى الاقتصادية الرئيسية والمرافق العامة والترفيهية لتوفير كل الظروف الملائمة التي تمكّن ابن الإمارات من الإسهام في تحمل مسؤوليته الوطنية في بناء الوطن، حيث أكد سموه أهداف هذا التوجه بقوله .. "إن الثروة ليست ثروة المال بل هي ثروة الرجال، فهم القوة الحقيقية التي نعتز بها، وهم الزرع الذي نستفيء بظلاله .. والقناعة الراسخة بهذه الحقيقة هي التي مكنتنا من توجيه كل الجهود لبناء الإنسان وتسخير الثروات التي منَّ الله بها علينا لخدمة أبناء هذا الوطن حتى ينهضوا بالمسؤوليات الجسام التى تقع عاتقهم ويكونوا عوناً لنا ولأشقائنا".

 

وأولى سموه اهتماماً خاصاً بالشباب، وكان يتوجه إليهم دائماً بالحديث والنصح، مركزاً باستمرار على ضرورة الإلمام بالماضي وظروفه ومشقاته، وعلى سبر أغوار التاريخ لاستشراف آفاق المستقبل، ومؤكداً على أهمية تحقيق المعادلة بين المعاصرة والأصالة ... بين الحياة الحديثة وسهولتها ويسرها ومعطياتها المادية المتطورة وبين القيم الأصيلة والعادات الموروثة التي تشكل ثقافة الشعب وهويته الوطنية.

 

وكان سموه يؤكد دائماً على أهمية أن يعرف الشباب ماضيهم وكيف كان حال الآباء والأجداد ومعيشة أهلهم في السابق وكيف أصبح الحال اليوم ليدركوا الفارق الكبير وفضل الله علينا. وقال في هذا الخصوص .. "يجب على الشباب أن يتتبعوا ويسألوا عن التاريخ ويراجعوه، سواء التاريخ القريب أو المتوسط أو البعيد، حتى يعلموا ماذا مرَّ بهذا الوطن وكيف عاصرته الأجيال التي مضت .. لأنني أؤمن بأن من لايعرف ماضيه فهو حتماً لايعرف حاضره ... أما إذا عرف ماضيه فلابد أن يعرف حاضره ويعرف مايجب عليه أن يحسبه من حساب المستقبل".

 

وأعطى رحمه الله وإخوانه أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد أولوية مطلقة في رعاية ثروة الوطن من الشباب، وحرصوا في كل مناسبة على دعوتهم إلى التسلح بالعلم حتى يسهموا بدورهم في تحقيق الآمال المعقودة عليهم في خدمة الوطن وتحقيق تقدمه، حيث أكد سموه بقوله .. "إن رصيد أية أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون .. وإن تقدم الشعوب والأمم إنما يقاس بمستوى التعليم وانتشاره".

 

وأضاف في لقائه مع أعضاء الهيئة الإدارية للاتحاد الوطني لطلبة الإمارات .. "إن التفوق في العلم والمعرفة هو الطريق إلى الرفعة والمجد ولايمكن الحصول عليه إلا بالجهد المتواصل ومضاعفة التحصيل العلمي .. لأن العلم هو الدعامة الأساسية لنهضة الأمم وتطور الشعوب .. وإن الدولة توفر الإمكانيات اللازمة لقطاع التعليم لأنها في أمسِّ الحاجة إلى أبنائها المتعلمين لكي يسهموا في تطورها وبناء نهضتها".

 

ويجسد مشروع صندوق الزواج اهتمام سموه بأبنائه الشباب وحرصه على توفير الاستقرار العائلي والحياة الهانئة لهم عن طريق محاربة ظاهرة الزواج من أجنبيات والحد من ظواهر غلاء المهور والتباهي في حفلات الزواج.

 

وحث سموه على ضرورة تنشيط العمل الاجتماعي في مختلف ميادينه، وقال .. "يجب تنشيط العمل الاجتماعي ومراعاة كل فئات المجتمع مثل المرأة المطلقة والأرامل وذوي الدخل المحدود .. من الضروري مساعدتهم والوقوف الى جانبهم لستر حالهم، وعندما يتحقق ذلك يسعد الإنسان الذي يسعى لإسعاد الآخرين بفكر وجهد يكون له ثمرة ونفع على أبناء الوطن".

 

وحرص رحمه الله على رعاية الأعراس الجماعية وإقامة بعضها على نفقته الخاصة لتشجيع تعميم هذه الفكرة الرائدة في المجتمع، موضحاً أن مايتم إنفاقه على العرس الجماعي قد ينفق على عرس لشخص واحد، داعياً أبناءه المواطنين الى الاقتصاد في نفقات الأعراس وادِّخار هذه النفقات لبناء حياتهم الزوجية.

 

بل إن سموه عبر عن مشاعر أبوية حانية تشغل فكره بهموم أبنائه الشباب عندما قال لهم بتأثر شديد .. "إنه من الصعب عليّ أن أرى شاباً مواطناً يعيش في هموم الديون".

 

توفير فرص العمل للجميع

وأعطى الشيخ زايد رحمه الله وغفر له مشكلة تعطل الشباب عن العمل اهتماماً خاصاً، ووجه وزارة الداخلية بحصر أعدادهم والعمل على تشغيلهم، مؤكداً .. "إن واجبه كراعٍ لهذا الوطن وأبنائه هو ألا يترك للشباب العاطلين الحبل على الغارب .. بل يجب حثهم ودفعهم إلى الطريق الأفضل، وذلك بتوفير العمل لهم، وأن يبذلوا الجهد لرفع شأنهم وخدمة وطنهم وبنائه وتقدمه".

 

وأكد رحمه الله في أكثر من لقاء على ضرورة الاهتمام بالشباب وحمايتهم من الانحراف، وتقويم المخطئ منهم حتى يصلح حاله ويعود عضواً فاعلاً في المجتمع.

 

وانطلاقاً من هذا الاهتمام بمستقبل الشباب والحرص على حمايتهم من الظواهر السلبية الدخيلة على المجتمع، وجه سموه الجهات المختصة في الدولة باتخاذ كافة التدابير الوقائية الوطنية للتصدي لظاهرة المخدرات واجتثاثها من المجتمع، وحماية الشباب من سمومها وأخطارها، حيث أصدر سموه في شهر أكتوبر 1995 قانون مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية بعد تعديله، حتى تكون عقوباته رادعة ضد التجار والمهربين، والتي تصل إلى الإعدام للمهربين والمتاجرين، والسجن أربع سنوات للمتعاطين.

 

 

مناصرة المرأة

انطلقت مسيرة تقدم المرأة مع قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة وإعلان سموه .. "أن المرأة نصف المجتمع، وهي ربة البيت، ولا ينبغي لدولة تبني نفسها أن تبقي المرأة غارقة في ظلام الجهل أسيرة لأغلال القهر".

 

وحققت المرأة بمناصرة سموه الذي كان يؤكد دائماً .. "أنا نصير المرأة في كل مايضيمها" مكاسب كبيرة على صعيد تأكيد مكانتها الاجتماعية. ومن أهمها إقرار العديد من التشريعات التي تكفل حقوقها الدستورية، وفي مقدمتها حق العمل والمساواة مع الرجل في الأجر والضمان الاجتماعي وتمتعها بالأهلية القانونية وحق التملك وإدارة الأموال والأعمال والتمتع بكافة خدمات التعليم والرعاية الاجتماعية والصحية إضافة إلى امتيازات الوضع ورعاية الأطفال وغيرها من المكتسبات.

كما حققت المرأة بدعم زايد مكانة مرموقة في المجتمع، ونهضت بمسؤولياتها إلى جانب الرجل في مختلف مجالات الحياة، ولعبت دوراً نشطاً في التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على قاعدة المساواة والتكافؤ في الحقوق والواجبات في إطار من الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف والعادات والتقاليد الأصيلة.

 

وساند رحمه الله حق المرأة في شغل أعلى الدرجات الوظيفية ودخول معترك العمل السياسي، كما أكد ذلك في لقائه مع وزراء التخطيط بدول مجلس التعاون في أبوظبي يوم 24 يونيو 1999 الذين حثهم على ضرورة الاهتمام ببناء الجيل الجديد وتهيئة الظروف أمام المرأة لتقوم بدورها في خدمة وطنها.

 

وأعرب عن رضاه في هذا اللقاء لما حققته المرأة من نجاحات في كل مواقع العمل وقال .. "إن المرأة أثبتت أنها ناجحة وقادرة على العطاء في كل مواقع العمل".

 

 

تجربة رائدة

تعد تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في مجالات الزراعة والتشجير من التجارب الرائدة التي بهرت العالم في إمكانية تحويل مناطق صحراوية إلى محميات خضراء، حيث يؤكد ذلك الدكتور جاك ضيوف مدير عام منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) الذي قال بعد زيارته للدولة خلال شهر ديسمبر 1995 .. "إن ماقام به صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان خلال مسيرة الاتحاد من سياسات زراعية حكيمة يسعى حاليا الخبراء في المنظمة إلى تحقيقها على مستوى العالم".

 

فقد استطاع رحمه الله بفضل إرادة التصميم والتحدي أن يحقق بالفعل مارأى الخبراء أنه المستحيل .. وأن يحول بعون الله سبحانه وتعالى وبعطاء من أبناء الوطن، الصحاري القاحلة إلى بُسط خضراء منتجة للخير والثمار.

 

وقد أسهمت المشروعات الكبيرة في مجال التشجير وإقامة المحميات الزراعية الطبيعية في التوازن البيئي .. كما أسهمت في مكافحة التصحر عن طريق مضاعفة المساحات الخضراء ومشاريع الغابات مما كان له الأثر الكبير في التقليل من نسبة الأتربة وانتشار الميكروبات وتلطيف حرارة الجو وتقليل نسبة الرطوبة وتوفير بيئة صحية نظيفة وجميلة.

 

وتحدث سموه عن تجربة دولة الإمارات في بناء دولة عصرية وتحويل الصحراء إلى جنان، وأكد أن ماتحقق من إنجازات تم بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه رغم الظروف الصعبة. وقال .. "كان لديّ إيمان بالله العظيم ورغبة في التغيير وعزيمة وإصرار على تحدي الصعاب، وسرنا على طريق الصلاح وأداء الواجب تجاه الوطن، ووفقنا الله وأصبحنا قادرين على أن نغير الصحراء إلى جنان خضراء وأن نغير حياة الإنسان ونوفر له الحياة الكريمة والرفاهية".

 

وقال سموه "إن الأرض بدون الماء تكون صحراء قاحلة، والإنسان بدون الثروة لايستطيع أن يغير وجه البلاد وهو غير مُلام على ذلك، وهذا ماكان عليه الحال في الماضي حيث لم يستطع أهلنا الذين سبقونا أن يفعلوا شيئاً لأنه لم تكن لديهم ثروة، وكل مافعلوه هو المحافظة على الأرض والوطن".

وأعاد رحمه الله إلى الأذهان أن أهل الإمارات السابقين كانوا يعيشون على الغوص واستخراج اللؤلؤ والصيد، وقال أن اللؤلؤ انقرض ولم تكن له أسواق أو راغبين في شرائه، كما أن الصيد لم يكن كافياً لتطوير هذه البلاد .. "وأنا رأيت أنه لايوجد شيء يرفع مستوى الإنسان ومعيشته أكثر من الزراعة".

 

وأشار إلى تجربة البحث عن المياه وتوفيرها للزراعة، فقال "لقد طلبنا من الأمريكيين أن ينقبوا عن المياه، إلا أنهم حذرونا من أن آبار المياه ستجف إذا توسعنا في حفر آبار جديدة وأبادوا الأمل الذي كان يراودنا".

 

وأضاف قائلاً .. "ولكن بالإصرار والعزيمة والإيمان بأنه لايوجد طريق لرفع مستوى معيشتنا غير الزراعة حتى لو كانت لدينا ثروة من البترول أو غيره، فكانت لدينا القناعة بأن هذا الشيء لايعتمد عليه، ويجب أن نعتمد على شيء هو أساس الحياة، وهو الزراعة ... لذلك قمنا بالتنقيب عن المياه بأنفسنا، وطلبنا من بلدية العين أن يحفروا الآبار حتى وجدوا المياه، وبدأنا واستمرينا في الزراعة. والحمد لله اكتشفنا المياه في بعض الأماكن على عمق 500 قدم، وأكثرها مياه عذبة لاتزيد نسبة الملوحة فيها عن جالون في المليون جالون. وأصبحت لدينا خبرة في هذا المجال، واكتشفنا بعض الآبار في شرق الهيلي بالعوهة وفي بدع سلمة وشرق الخزنة ماكان يمكن اكتشافها بالأقمار الصناعية".

 

وأضاف .. "وزادنا استخراج المياه قوة وشجاعة ومغامرة في السير والعمل. والحمد لله نقوم الآن بنقل الخضروات وتصديرها إلى أمريكا، كما نقوم بتصدير التمور إلى اليابان وماليزيا واندونيسيا وغيرها، وأصبح الناس في الإمارات لايشترون إلا التمور المحلية، كما أقبلوا على زراعة النخيل نظرا لما تحققه من ربح".

 

وأكد رحمه الله .."أنه لو لم نفعل ماقمنا به من انجازات لكان واجباً توجيه اللوم إلينا، ولكن الله سبحانه وتعالى أخذ بأيدينا وساعدنا بكل شيء بالمال والنيات والعزم، وسرنا على الطريق الصحيح وعلى إرادة الله ومراده لعباده في أرضه".

 

الحفاظ على التراث

حرص الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله على الحفاظ على التراث الشعبي ودعم المؤسسات والأنشطة التي تعنى بإحيائه، مؤكداً .. "لقد ترك لنا الأسلاف من أجدادنا الكثير من التراث الشعبي الذي يحق لنا أن نفخر به ونحافظ عليه ونطوره، ليكون ذخراً لهذا الوطن وللأجيال القادمة".

 

وتمكن سموه، انطلاقاً من هذه الرؤية، أن يبني دولة عصرية، ويحقق في الوقت نفسه التوافق مع البيئة المحلية والمحافظة على التراث والتقاليد والتمسك بالهوية الوطنية.

 

وفي إطار تحقيق هذه المعادلة بين الأصالة والمعاصرة، حرص سموه وإخوانه أعضاء المجلس الأعلى للإتحاد على إحياء تراث الأجداد والآباء وإبرازه وتطويره، وتقديمه في صورته الطبيعية للأجيال المتعاقبة، حيث أكد سموه على ضرورة غرس مفاهيم الأصالة والتراث في نفوس الشباب وتربيتهم على التواصل بين الماضي المجيد للأجداد والنهضة المباركة في الوقت الحاضر.

 

لذلك ركز سموه في لقاءاته المتكررة مع أبنائه الشباب والمواطنين على ضرورة التعرف على تراثهم الحضاري حتى لاينسوه، وعلى الاستمرار على نهجه والتمسك والإقتداء به، مؤكدا .. "إن أي أمة ليس لها تراث، ليس لها أول أو آخر".

 

لقد ارتبط الشيخ زايد بحياة البادية وتراثها حيث أكد سموه .. "جوارحي لاتهدأ إلا بين أهلي .. إن جوارحي تهدأ في أطراف البادية خارج المدينة .. إنني أجتمع بالناس هنا، ونتحدث عن ماضي بلادنا وأهلنا .. إن هذه القصص تعطيني معلومات نستأنس بها في بحث أمورنا الحالية .. إن البادية في نظري عالم طبيعي نظيف على سجيته".

 

وتجاوباً مع اهتماماته وتوجيهاته المستمرة بالاهتمام بالتراث الشعبي ودعوته إلى جمعه وتوثيقه، انتشرت في مختلف مدن الدولة المراكز والجمعيات والمتاحف والأندية المهتمة بمختلف أنواع التراث الشعبي، وفي مقدمتها نادي تراث الإمارات الذي تأسس في مايو 1993، وتفرَّع منه مركز زايد للتراث والتاريخ بالعين، ومركز الوثائق والدراسات، وجمعية إحياء التراث الشعبي، والمراكز الخاصة التي تهتم بجمع التراث وتوثيقه وحفظه

 

نهج التسامح والتضامن والعدل

انطلقت الجهود المتواصلة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله لجمع شمل الأمة العربية والإسلامية وتحقيق تضامنها وتآزرها، من عمق توجهه الوحدوي الذي نسج فكره السياسي، والذي جسد في الوقت نفسه نهجاً متميزاً في التروي والصبر والحكمة وبُعد النظر في الدعوة إلى التسامح والوقوف بشجاعة إلى جانب الحق والعدل، مما أكسبه تقدير العالم واحترامه.

 

وحدد سموه الدلالات والأبعاد الفلسفية لهذا النهج في القيادة في قوله.. "إنه يجب على القائد أن يعمل بما يُرضي الخالق عز وجل ويسعد شعبه لأنه يعتبر وصياً على ماأنعم الله سبحانه وتعالى به من خير وثروة، عليه أن يسخرها بأمانة لخدمة الشعب. كما يجب علينا كحكام مسئولين عن الشعوب أن نتعامل مع بعضنا بعضاً على أساس من التسامح والرحمة والحوار، وليس بالمواجهة والحروب والدمار .. وعلى الدول الصغيرة مسؤولية، برغم صغر حجمها على الخريطة، أن تقوم بما تستطيع لإسماع صوت الحق والعدالة لأبعد مدى، حتى لو اختلفت في ذلك مع الدول الكبرى. ويؤكد سموه .."إن الثروة والقوة يمكن أن تكون نعمة أو نقمة إذا لم تُسخر لمصلحة الشعوب ورفاهيتهم واستقرارهم".

 

وأضاف سموه قائلاً .."يجب على الحاكم أن يضحي بالكثير من أجل صلاح البلاد والعباد سواء في داخل بلده أو في الخارج، وأن يكون عوناً لشقيقه ويأخذ بيده قدر استطاعته .. وإن هذا ماأرجوه من إخواني القادة، سواء في الوطن العربي أو في باقي دول العالم .. ويجب أن يكون العربي مخلصاً لشقيقه العربي، يقف الى جانبه في السراء والضراء، وإذا لم نَسرْ على هذا الطريق فستكون أمتنا أمة بلا راعٍ".

 

وأكد سموه في لقائه مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون في أبوظبي يوم 15 نوفمبر 1998 .. "أن دول مجلس التعاون، وانطلاقاً من إدراكها العميق لمسؤولياتها القومية، فقد دأبت على العمل من أجل الحيلولة دون استمرار التداعي في الموقف العربي لأن المجلس يشكل سنداً قوياً لكل الأشقاء في الأمة العربية، وهو عضو في الجسم الكبير (الوطن العربي) الذي نقوى به ويقوى بنا، لأنه لايجوز أن يكون الأخ في غنى عن أخيه في العسر واليسر".

 

ورأى سموه أن التآزر والتضامن والوقوف صفاً واحداً فيه الخير والعزة والقوة للجميع، ويقول .. أن إيمانه الكبير بجمع الشمل ينبع من إحساسه الحقيقي وإيمانه الصادق بالمصير الواحد لأبناء الأمة العربية كلها، وأنه بقدر ماتتضامن الأمة العربية وتوحد صفوفها بقدر ماتكون لها مكانتها وقوتها التي يعمل لها ألف حساب.

 

كما أكد في حديث مع رئيس وأعضاء المجلس الوطني الإتحادي يوم 4 يناير 1998 .."نحن مسلمون، ويجب أن نتسامح مع بعضنا بعضاً، وأن يتغاضى الأخ عن خطأ أخيه، ونعطيه الفرصة للتسامح والغفران .. إن التسامح والتراحم أمر واجب من أجل الموقف الواحد لأن المصير واحد".

 

وفي رسالته إلى تجمع المفكرين والباحثين العرب المشاركين في ندوة "مستقبل الوطن العربي ودور الجامعة العربية" في أبوظبي يوم 31 أكتوبر 1997، قال سموه .."إن التاريخ علَّمنا في أخباره أن خير الأمة ومنعتها في ألفتها ووحدتها التي يرجى منها كل الخير والفائدة، وفي فرقتها الضعف الأكيد والضرر لجميع شعوبها بدون استثناء. وقد آن لنا في ظل ظروف الحاضر أن نلم الشمل ونسعى للصفح وندعو للتسامح فيما بيننا صادقين بإخلاص نية وحسن سريرة .. وأن ندع باب العودة مفتوحاً على مصراعيه لجميع العرب شعوباً وقيادات، لأنه لامجال لنا إلا أن نكون كذلك. ولقد اختلف غيرنا من الأمم وتقاتلوا وتشتتوا ولم يمنعهم ذلك من أن يعودوا إلى التحالف والتكاتف ولمّ الشمل. وقد مرت أيضاً على أمتنا في سياق تاريخها أحداث جسام فرقت الصف وشتت الشمل، ولكن بحكمة العقلاء من أبنائها وبعظمة هذه الأمة أودع الله فيها سرّ التجدد والانبعاث، وسرعان مانسيت خلافاتها وعادت من جديد أصلب عوداً وأقوى شكيمة وأمتن كياناً".

 

التسامح الديني

ونبذ رحمه الله، انطلاقاً من روح التسامح التي يؤمن بها، ظاهرة التطرف الديني والإرهاب، وأكد دائماً أن الإسلام هو دين المحبة والغفران والتسامح والرأفة .. وأن المسلم لايجوز أن يقتل أخاه مسلماً كان أو غير مسلم ..

كما أكد سموه في حديث مهم مع عدد من السفراء الجدد يوم 29 مارس 1988 .. "إن البشرية لها قيمة عظمى عند الله سبحانه وتعالى، ويجب أن تُعامل بما أراده الخالق لها من خير ورفاهية، وإن الإسلام يكرم الإنسان لأن المولى عز وجل كرمه، وأنه يعتبر النفس البشرية أمانة يجب ألا تُهان أو تُذل أو تعامل بدون عدالة أو بدون حق، وأن قتل النفس البشرية بغير حق يعتبر ذنباً عظيماً لأن من قتل نفساً بدون حق كمن قتل البشرية كلها"، ويضيف سموه .. "إن الدين الإسلامي يعامل جميع البشر على السواء، لافرق بين مسلم وغير مسلم .. وإن الله سبحانه وتعالى عندما بعث نبيه سيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم، أمره بأن يجادل بالتي هي أحسن، وأنه لو كان فظاً غليظ القلب لانفضوا من حوله .. وعليه، فيجب علينا كحكام أن نتعامل بحكمة ووعي مع شعوبنا، لأن الحكمة في القيادة هي رحمة للشعوب، والقيادة تعتبر امتحاناً أمام الله عز وجل، وعلى من تحمل هذه الأمانة التي كلفه بها الخالق أن يؤدي أمانته بما يرضي الله وبالعدل، لأن الله يمهل ولايهمل".

 

وحرص سموه على الدعوة في كل مناسبة مواتية إلى التعاون والتآخي والتكافل بين المسلمين ومراعاة الأخوّة الإنسانية بين البشر. وقد دعا سموه مجموعة من علماء المسلمين التقاهم يوم 11 يناير 1999 بأبوظبي لأن يكونوا دعاة خير للأمة العربية والإسلامية، والعمل على توحيد صفوفها ونبذ خلافاتها. وتحدث سموه في هذا اللقاء عن المبادئ والقيم التي يتضمنها ديننا الحنيف والتسامح والرحمة بين أبناء المسلمين مؤكداً .. "إن خير الناس أنفعهم للناس".

 

ونبذ سموه التعصب ودعا الى الحوار البنّاء بين الأديان من أجل سلام البشرية جمعاء ورفاهيتها. وأكد في لقائه مع الأمير تشارلز دعمه للجهود التي يقوم بها للحوار بين العلماء من مختلف الأديان السماوية، وقال .."إننا على أتم الاستعداد لدعم مثل هذه اللقاءات التي ستقدم خدمة كبيرة للإنسانية".

كما جدد رحمه الله في لقائه مع مبعوث بابا الفاتيكان في 30 يناير 1994 دعمه لفكرة الحوار الإسلامي – المسيحي، وقال .. "لقد رحبنا بهذه الفكرة وعبّرنا عن رغبتنا ومساندتنا لها بكل مانستطيع لأننا نؤمن بأهمية مثل هذا الحوار الذي يسعى إلى إزاحة سوء الفهم بين الأديان السماوية وتقريب وجهات النظر في نقاط التقائهم وتحديد مايجمعهم ومايفرقهم من معتقدات وشرائع".

 

 

 



Copyright © 2004, The Zayed Foundation. All Rights Reserved.